كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



{لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ} أي لا ينقطع إبَّانُها كفاكهة الدنيا، فإن شجر الجنة يثمر في كل وقت، ولا تمتنع ببعد تناوُلِها ولا بغير ذلك من وجوه المنع.
{وَفُرُشٍ مَّرْفُوعَةٍ} هي الأسرة، وقد روى ارتفاع السرير منها مسيرة خمسمائة عام وقيل: هي النساء وهذا بعيد.
{إِنَّآ أَنشَأْنَاهُنَّ} الضيمر لنساء الجنة، فإن سياق الكلام يقتضي ذلك، وإن لم يتقدم ذكرهن، ولكن تقدّم ذكر الفرش وهي تدل على النساء وأما من قال: إن الفرش هي النساء فالضمير عائد عليها وقيل: يعود على الحور العين المذكورة قبل هذا وذلك بعيد، فإن ذلك في وصف جنات السابقين، وهذا في وصف جنات أصحاب اليمين، ومعنى إنشاء النساء أن الله تعالى يخلقهن في الجنة خلقًا آخر في غاية الحسن، بخلاف الدنيا فالعجوز ترجع شابة والقبيحة ترجع حسنة {فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا عُرُبًا أَتْرَابًا} جمع عروب وهي المتوددة إلى زوجها بإظهار محبته، وعبَّر عنهن ابن عباس بأنهن العواشق لأزواجهن، وقيل هي الحسنة الكلام {أَتْرَابًا لأَصْحَابِ اليمين} أي مستويات في السن مع أزواجهن، وروي أنهن يكونون في سن أبناء ثلاثة وثلاثين عامًا ولأصحاب اليمين يتعلق بقوله: {أَنشَأْنَاهُنَّ} على ما قاله الزمخشري: ويحتمل أن يتعلق بأترابًا، وهذا هو الذي يقتضيه المعنى أي أترابًا لأزواجهن.
{ثُلَّةٌ مِّنَ الأولين وَثُلَّةٌ مِّنَ الآخرين} أي جماعة من أول هذه الأمة وجماعة من آخرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الفرقتان من أمتي، وفي ذلك رد على من قال إنهما من غير هذه الأمة. وتأمل كيف جعل أصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين، بخلاف السابقين فإنهم قليل في الآخرين وذلك لأن السابقين في أول هذه الأمة أكثر منهم في آخرها لفضيلة السلف الصالح، وأما أصحاب اليمين فكثير من أولها وآخرها.
{فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} السموم الحر الشديد والحميم الماء الحار جدًا واليحموم هو الأسود {وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ} هو الدخان في قول الجمهور، وقيل: سرادق النار المحيط بأهلها فإنه يرتفع من كل جهة حتى يظلهم وقيل: هو جبل في جهنم.
{وَكَانُواْ يُصِرُّونَ عَلَى الحنث العظيم} معنى يصرون يدومون من غير إقلاع والحنث هو الإثم، وقيل: هو الشرك، وقيل: هو الحنث في اليمين أو اليمين الغموس {أَإِذَا مِتْنَا} الآية معناها أنهم أنكروا البعث بعد الموت، وقد ذكرنا قراءة الاستفهامين في الرعد، وآباؤنا في الصافات.
{أَيُّهَا الضآلون المكذبون} خِطاب لكفار قريش وسائر الكفار.
{فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ} الضمير للمأكول {فَشَارِبُونَ شُرْبَ الهيم} وزن الهيم فُعُل بضم الفاء، وكسرت الهاء لأجل الياء وهو جمع أهيم، وهو الجمل الذي أصابه الهيام بضم الهاء. وهو داء معطش يشرب معه الجمل حتى يموت أو يسقم، والأنثى هيماء، وقيل: جمع هائم وهائمة، وقيل: الهيم الرمال التي لا تروى من الماء، وهو على هذا جمع هيام بفتح الهاء، وقرئ {شُرْبَ} بضم الشين واختلف هل هو مصدر أو اسم المشروب وقرئ بالفتح وهو مصدر فإن قيل: كيف عطف قوله: {فَشَارِبُونَ} على {شَارِبُونَ} ومعناهما واحد، فالجواب أن المعنى مختلف لأن الأول يقتضي الشرب مطلقًا، والآخر يقتضي الشرب الكثير المشبه لشرب الهيم {هذا نُزُلُهُمْ} النزل أو ما يأكله الضيف فكأنه يقول: هذا أول عذابهم فما ظنك بسائره {فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ} تحضيض على التصديق إما بالخالق تعالى، وإما بالبعث لأن الخلقة الأولى دليل عليه.
{أَفَرَأَيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ} هذه الآية وما بعدها تتضمن إقامة براهين على الوحداينة، وعلى البعث وتتضمن أيضًا وعيدًا وتعديدَ نِعم. ومعنى تمنون: تقذفون المني {أَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون} هذا توقيف يقتضي أن يجيبوا عليه بأن الله هو الخالق لا إله إلا هو {نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الموت} أي جعلناه مقدرًا بآجال معلومة وأعمار منها طويل وقصير ومتوسط {وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ على أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} المسبوق على الشيء هو المغلوب عليه؛ بحيث لا يقدر عليه {نُّبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ}: معناه نهلككم ونستبدل قومًا غيركم، وقيل: نمسخكم قردة وخنازير {وَنُنشِئَكُمْ} معناه نبعثكم بعد هلاككم و{فِي مَا لاَ تَعْلَمُونَ} معناه ننشئكم في خلقة لا تعلمونها على وجه لا تصل عقولكم إلى فهمه. فمعنى الآية أن الله قادر على أن يهلكهم وعلى أن يبعثهم ففيها تهديد واحتجاج على البعث {فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ} تحضيض على التذكير والاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الآخرة، وفي هذه دليل على صحة القياس.
{أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزارعون} المراد بالزراعة هنا إنبات ما يزرع وتمام خلقته، لأن ذلك مما انفرد الله به ولا يدعيه غيره، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقولنّ أحدكم زرعت ولكن يقول حرثت» والمراد بالحرث قلب الأرض وإلقاء الزريعة فيها وقد يقال لهذا زرع ومنه قوله: {يُعْجِبُ الزراع} [الفتح: 29] {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} الحطام اليابس المفتت وقيل: معناه تبن بلا قمح {فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} أي: تطرحون الفاكهة وهي المسرة، يقال: رجل فكه إذا كان مسرورًا منبسط النفس ويقال: تفكه إذا زالت عنه الفكاهة فصار حزينًا، لأن صيغة تفاعل تأتي لزوال الشيء كقولهم: تحرج وتأثم إذا زال عنه الحرج والإثم. فالمعنى: صرتم تحزنون على الزرع لو جعله الله حطامًا. وقد عبر بعضهم عن تفكهون بأن معناه: تتفجعون وقيل: تندمون وقيل: تعجبون وهذه معان متقاربة والأصل ما ذكرنا {إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ} تقديره: تقولون ذلك لو جعل الله زرعكم حطامًا والمُغرم المعذب. لأن الغرام هو أشد العذاب، ويحتمل أن يكون من الغُرم أي مثقلون بما غرمنا من النفقة على الزرع، والمحروم الذي حرمه الله الخير.
{مِنَ المزن} هي السحاب، والأُجاج الشديد الملوحة، فإن قيل: لم تثبت اللام في قوله: {لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا} [الواقعة: 65] وسقطت في قوله: {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا}؟ فالجواب من وجهين أحدهما أنه أغنى اثباتها أولًا عن إثباتها ثانيًا مع قرب الموضعين. والآخر أن هذه اللام تدخل للتأكيد، فأدخلت في آية المطعوم دون آية المشروب للدلالة على أن الطعام أوكد من الشراب، لأن الإنسان لا يشرب إلا بعد أن يأكل.
{النار التي تُورُونَ} أي تقدحونها من الزناد، والزناد قد يكون من حجرين ومن حجر وحديدة، ومن شجر وهو المرخ والعفار ولما كانت عادة العرب في زنادهم من شجر، قال الله تعالى: {أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ} أي الشجرة التي توقد النار منها. وقيل: أراد بالشجرة نفس النار كأنه يقول: نوعها أو جنسها فاستعار الشجرة لذلك وهذا بعيد {نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً} أي تذكر بنار جهنم {وَمَتَاعًا لِّلْمُقْوِينَ} المتاع ما يتمتع به، ويحتمل المقوين أن يكون من الأرض القواء وهي الفيافي، ومعنى المقوين الذين دخلوا في القواء، ولذلك عبر ابن عباس عنه بالمسافرين، ويحتمل أن يكون من قولهم: أقوى المنزل إذا خلال فمعناه الذين خلت بطونهم أو موائدهم من الطعام، ولذلك عبّر بعضهم عنه بالجائعين.
{فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم} لا في هذا الموضع وأمثاله زائدة، وكأنها زيدت لتأكيد القسم، أو لاستفتاح الكلام نحو ألا. وقيل: هي نافية لكلام الكفار كأنه يقول: لا صحة لما يقول الكفار وهذا ضعيف والأول حسن، لأن زيادة لا كثيرة معروفة في كلام العرب، و{مَوَاقِعِ النجوم} فيه قولان: أحدهما قال ابن عباس: إنها نجوم القرآن إذ نزل على النبي صلى الله عليه وسلم الكواكب ومواقعها مغاربها ومساقطها، وقيل: مواضعها من السماء وقيل: أنكادرها يوم القيامة. {وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} هذه جملة اعتراض بين القسم وجوابه، وقوله: {لَّوْ تَعْلَمُونَ} اعتراض بين الموصوف وصفته فهو اعتراض في اعتراض، والمقصود بذلك تعظيم المقسوم به وهو {مَوَاقِعِ النجوم} وجواب القسم: {إِنَّهُ لقرآن كَرِيمٌ} وأعاد الضمير على القرآن لأن المعنى يقتضيه، أو لأنه مذكور على قول من قال إن مواقع النجوم نزول القرآن {فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ} أي مصون، والمراد بهذا الكتاب المكنون المصاحف التي كتب فيها القرآن، أو صحف القرآن بأيدي الملائكة عليهم السلام.
{لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ المطهرون} الضمير يعود على الكتاب، المكنون ويحتمل أن يعود على القرآن المذكور قبله إلا أن هذا ضعيف لوجهين أحدهما: أن مسَّ الكتاب حقيقة ومس القرآن مجاز، والحقيقة أولى من المجاز والآخر أن الكتاب أقرب والضمير يعود على أقرب مذكور فإذا قلنا: إنه يعود على الكتاب المكنون فإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأيدي الملائكة، فالمطهرون يراد بهم الملائكة، لأنهم مطهرون من الذنوب والعيوب والآية إخبار بأنه لا يمسه إلا هم دون غيرهم، وإن قلنا إن الكتاب المكنون هو الصحف التي بأدي الناس، فيحتمل أن يريد بالمطهرين المسلمين، لأنهم مطهرون من الكفر أو يريد المطهرين من الحدث الأكبر، وهي الجنابة أو الحيض، فالطهارة على هذا الاغتسال أو المطهرين من الحدث الأصغر، فالطهارة على هذا الوضوء ويحتمل أن يكون قوله: {لاَّ يَمَسُّهُ} خبرًا أو نهيًا. على أنه قد أنكر بعض الناس أن يكون نهيًا وقال لو كان نهيًا لكان بفتح السين. وقال المحققون: إن النهيَ يصح مع ضم السين لأن الفعل المضاعف إذا كان مجزومًا أو اتصل به ضمير المفرد المذكر ضُمَّ عند التقاء الساكنين إتباعًا لحركة الضمير، وإذا جعلناه خبرًا فيحتمل أن يقصد به مجرد الإخبار، أو يكون خبرًا بمعنى النهي. وإذا كان لمجرّد الإخبار فالمعنى أنه: لا ينبغي أن يمسه إلا المطهرون. أي هذا حقه وإن وقع خلاف ذلك واختلف الفقهاء فيمن يجوز له مس المصحف على حسب الاحتمالات في الآية، فأجمعوا على أنه لا يجوز أن يمسه كافر؛ لأنه إن أراد بالمطهرين المسلمين، فذلك طاهر؛ وإن أراد الطهارة من الحدث فالإسلام حاصل مع ذلك.
وأما الحدث ففيه ثلاثة أقوال: الأول أنه لا يجوز أن يمسه الجنب ولا الحائض ولا المحدث حدثًا أصغر وهو قول مالك وأصحابه، ومنعوا أيضًا أن يحمله بعلاقة أو وسادة. وحجتهم الآية على أن يراد بالمطهرين الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر. وقد احتج مالك في الموطأ بالآية على المسألة. ومن حجتهم أيضًا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم «أن لا يمس القرآن إلا طاهر»، الثاني أنه يجوز مسه للجنب والحائض والمحدث حدثًا أصغر وهو مذهب أحمد بن حنبل والظاهرية وحملوا المطهرون على أنهم مسلمون والملائكة أو جعلوا لا يمسه لمجرد الاخبار، والقول الثالث أنه يجوز مسه بالحدث الأصغر دون الأكبر، ورخص مالك في مسه على غير وضوء للمعلم والصبيان، لأجل المشقة. واختلفوا في قراءة الجنب للقرآن فمنعه الشافعي وأبو حنيفة مطلقًا، وأجازه الظاهرية مطلقًا، وأجاز مالك قراءة الآية اليسيرة. واختلف في قراءة الحائض والنفساء للقرآن عن ظهر قلب فعن مالك في ذلك رويتان، وفرق بعضهم بين اليسير والكثير.
{أفبهذا الحديث أَنتُمْ مُّدْهِنُونَ} هذا خطاب للكفار، والحديث المشار إليه هو القرآن، ومدهنون معناه متهاونون، وأصله من المداهنة وهي لين الجانب والموافقة بالظاهر لا بالباطن قال ابن عباس معناه مكذبون {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} قال ابن عطية: أجمع المفسرون على أن الآية توبيخ للقائلين في المطر إنه نزل بنوء كذا وكذا، والمعنى تجعلون شكر رزقكم التكذيب، فحذف شكر أنكم تَكْذِبون وكذلك قرأ ابن عباس إلا أنه قرأ {تكذِّبون} بضم التاء والتشديد كقراءة الجماعة وقراءة علي بفتح التاء وإسكان الكاف من الكذب أي يكذبون في قولهم: نزل الطر بنوء كذا ومن هذا المعنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يقول أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكواكب وكافر بي مؤمن بالكواكب فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب واما من قال مطرنا بنوء كذا وكوكب كذا فذلك كافر بي مؤمن بالكواكب» والمنهي عنه في هذا الباب أن يعتقد أن للكواكب تأثيرًا في المطر، وأما مراعة العوائد التي أجراها الله تعالى فلا بأس به لقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة»، وقد قال عمر للعباس وهما في الاستسقاء: كم بقي من نوء الثريا فقال العباس: العلماء يقولون إنها تعترض في الأوفق بعد سقوطها سبعًا، قال ابن الطيب: فما مضت سبع حتى مطروا، وقيل: إن معنى الآية تجعلون سبب رزقكم تكذيبكم للنبي صلى الله عليه سلم فإنهم كانوا يقولون: إن آمنا به حرمنا الله الرزق، كقولهم: {إِن نَّتَّبِعِ الهدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَآ} [القصص: 57] فأنكر الله عليهم ذلك. وإعراب أنكم على هذا القول مفعول بتجعلون على حذف مضاف تقديره: تجعلون سبب رزقكم التكذيب، ويحتمل أن يكون معفولًا من أجله تقديره: تجعلون رزقكم حاصلًا من أجل أنكم تكذبون، وأما على القول الأول فإعراب {أنكم تكذبون} مفعول لا غيره.